هزات سبيتاك زلازل أم تفجيرات

شارك المنشور على حساباتك ...
#الخطر_الزلزالي_انتهى
#خطر_الزلازل_انتهى
seismic_risk_finished#
seismic_hazard#

د. سامر زيزفون & م. نشأت السمعان
هزات سبيتاك زلازل أم تفجيرات:
إن الجمهورية الأرمنية تقع في منطقة القوقاز ويبلغ عدد سكانها 5 مليون نسمة استقلت عن الاتحاد السوفيتي في أواخر العام 1990، تمتاز بوضع تكتوني معقد جدا حيث تضرب أراضيها مجموعة من الفوالق النشطة بالمعنى التكتوني وذات نشاط سيسمي ملحوظ ويبين الشكل (1) الفوالق النشطة في رقعة الجمهورية الأرمنية.
الشكل(1)
إن زلزال مدينة سبيتاك الأرمنية عام 1988 كان بقدر 6.9 وعمق 10 كم وأدى إلى وفاة أكثر من 25000 نسمة وخسائر مادية فادحة وسبب تدمير المدينة بشكل كامل تقريبا الأشكال(2) و(3) و(4).
الشكل(2)
الشكل(3)
الشكل(4)
عند الوهلة الأولى لوقوع زلزال 1988 سرت شائعات حول طبيعته، حيث تناقلوا في بعض وسائل الإعلام على أنه زلزال مستحدث بفعل البشر وكان قد إزداد تأثير وانتشار تلك الشائعات خاصة من بعد وقوع زلزال جورجيا ذي الشدة 9 هذا وقد بقيت هذه الشائعات لدى نذر ليس بالقليل لدى العامة وكذلك عند عدد من المثقفين ولكن غير المختصين أوالمطلعين على العلوم الزلزالية وتلك الشائعات أخذت الأشكال التالية:
1- إن هزة مدينة سبيتاك لم تكن زلزالا بل كانت إنفجارا هائلا مروعا.
2- إن هزة سبيتاك كانت زلزالا مستحدثا بفعل تفجير نووي سوفيتي ضخم وذلك كاختبار لما يسمى بالسلاح التكتوني.
3- إن هزة سبيتاك كانت زلزالا هائلا ترافق مع إنفجار كبير مروع في المستودعات السوفيتية الموجودة في باطن الأرض في تلك المنطقة مما ساهم في زيادة حجم الدمار.
في السطور القليلة التالية سنناقش من وجهة نظر علمية واختصاصية حقيقة فيما إذا كانت هزة 1988 انفجارا مدمرا أم زلزالا كارثيا وذلك من خلال تحليل الأشكال الثلاثة السابقة:
بالنسبة للمسألة الأولى يعتبر زلزال سبيتاك زلزالا وليس تفجيرا:
– لأنه عند حدوث الاهتزاز تحرر كم من الطاقة قدر ب 1610 جول وهذه الطاقة تعادل طاقة 100 قنبلة ذرية من تلك التي ألقيت على مدينة هيروشيما اليابانية (الطاقة الناجمة عن الزلزال تعادل الطاقة المستخدمة من قبل 100000 نسمة لمدة عشر سنوات) وهنا نقول أنه يصعب تفجير هذا العدد من القنابل دفعة واحدة او حتى تفجير قنبلة هيدروجينية واحدة مكافئة للقنابل المئة.
– إن مركز الزلزال قدر على عمق 10-12 كم ومثل هكذا أعماق يمكن الوصول إليها فقط عن طريق حفر الآبار والتي حفرها يتطلب:
1- معدات هائلة وتكنولوجيا متطورة.
2- مبالغ مادية ضخمة.
3- طاقم عمل كبير.
4- زمن إنجاز طويل، حيث أن زمن إنجاز مثل هكذا أبار يتطلب ما يقارب 10 سنوات وذلك لتأمين الآبار من بعد عمليات التفجير الذري وبالتالي فإن حفر مثل هذه الآبار سيكون معروفا وموثقا لدى عدد كبير من الأفراد والجهات والمنظمات المحلية والدولية.
5- حتى تاريخ الزلزال تم حفر بئر استكشافي وحيد في العالم والذي عمقه تجاوز 10 كم حيث أن هذا البئر حفر في شبه جزيرة كولا وقد وصل عمقه إلى 12 كم تقريبا.
6- على خلاف الاهتزازات الزلزالية فإن التفجيرات النووية تحدث خلال ومضة عين أي إنها تحدث في أجزاء غير محسوسة من الثانية.
7- الاهتزازات الناجمة عن التفجيرات النووية يحس بها الناس على مساحات محدودة وغير بعيدة وهذا ماأثبتته عشرات التجارب النووية التي أجرتها ووثقتها شعوب الاتحاد السوفيتي أما في حالة زلزال سبيتاك فقد أحس الناس بالهزة حتى منطقة مخاتشالا البعيدة جدا.
8- خلال حدوث الزلزال وفي منطقة المركز السطحي حدث ونشأ تغيرات سطحية خاصة لا يمكن حدوثها أو ملاحظتها إلا في فترة حدوث زلزال طبيعي وكمثال نموذجي نذكر أنه على سطح الأرض نشأ وبطول 35 كم صدع تكتوني والذي من غير الممكن ولا بأي شكل من الأشكال حدوثه أو تشكله من خلال عمليات التفجير.
9- كما أنه من الضروري أن نعطي أهمية مميزة لحقيقة إن الهزة الرئيسية لزلزال سبيتاك كانت قد سبقت بعدد من الهزات الأولية ومن بعد الهزة بدأت الهزات الارتدادية وبنشاط ملحوظ والتي دامت لفترة طويلة جدا من بعد الزلزال حيث سجل من بعد الهزة الرئيسية ما يقارب 11000 هزة تالية إرتدادية والتي كان لبعضها قوة لابأس فيها وبالتالي مفهوم التفجير يصبح مستبعدا مع هذه الحقيقة.
بالنسبة للمسألة الثانية والتي هي حدوث الزلازل بفعل البشر وهنا نطرح السؤال التالي هل حقا إحداث زلزال بطرق صنعية ممكن من قبلنا نحن البشر؟ وهل نستطيع التأثير على دورته ومنهجية تشكله وبالتالي تسريع حدوثه؟
في الحقيقة إن مفهوم الزلازل المستحدثة من قبل البشر مفهوم قديم وليس بالجديد حيث إنها تحدث كعواقب لانهيالات أرضية هائلة (بسبب الكهوف والفراغات والمناجم الموجودة في باطن الأرض) أو بسبب عمليات التفجير ولكن قوة هذه الزلازل تكون صغيرة نسبيا، كما أن أنماط هذه الزلازل تملك طبيعة محلية ومن الصعب أن تكون إقليمية، كما أن هناك نوعا آخر من الزلازل المستحدثة الضعيفة والتي تملك قدرة تراكمية وأثرا متبقي قادر على توليد زلازل أشد واعنف مع مرور الزمن ألا وهي الزلازل المستحدثة في مناطق إشادة السدود العملاقة والكبيرة والتي يكون ارتفاع الماء فيها بحدود 70-100م وهذا يعني أن كتل الماء الكبيرة تضغط في هذه المناطق على الألواح والكتل الصخرية لتنشأ كميات كبيرة من الإجهادات المتراكمة ضمن الصخر والتي يعبر عنها فيما بعد على شكل زلازل تدعى بالمستحدثة (المستحثة).
وفي الحقيقة عندما نطلع على منطقة سبيتاك الأرمنية والتي حدث فيها الزلزال سنلاحظ انعدام وجود السدود الكبيرة أوالمتوسطة حولها اوحتى على مسافة شاسعة البعد عنها مما ينفي هذا الإحتمال جذريا كذلك فإن قدر الزلازل المستحثة يكون محدودا، وبما أن المنطقة لم تتعرض لانهيالات وانزلاقات على الإطلاق والذي يؤكد ذلك طبيعتها الجيولوجية المميزة الأمر الذي يؤدي إلى إستبعاد هذا الإحتمال نهائيا، وهكذا يبقى احتمال تحريض الزلزال بواسطة تفجير كبير وليتم ذلك لا بد من تحقيق عدد من الشروط الأولية والبدائية:
1- يجب أن يكون الزلزال قد أتم دورته السيسمية وتراكمت طاقة إجهاد أعظمي وقد وصلت هذه الطاقة إلى الحد الحرج الأمر الذي سيؤدي إلى تحررها عند أي نشاط قد يزيد من ضغط الصخور والإجهادات فيها (كالتفجير مثلا) وأن مكان تحرر هذه الطاقة ومقدارها وعمقها وزمانها أصبح معلوما، ولكن وكما هو معروف فإن إكمال الزلزال لدورته السيسمية ووصول كمية الإجهاد في الصخور إلى قيمتها الحدية يحتاج إلى عشرات من السنيين وفي أحيان كثيرة إلى مئات من السنيين، ونقول أيضا أنه حتى لو أن الزلزال قد أكمل دورته السيسمية والإجهاد في الصخور المحرضة له قد بلغ أوجه فإن الألية والمقدرة على معرفة ذلك من قبل البشر والجيولوجيين ما تزال حتى تاريخ هذه اللحظة خارجة عن مقدراتهم ومهاراتهم ووسائلهم التكنولوجية، وكل ما يملكه المختصون في هذا المجال هو التنبؤ الاحتمالي أو التنبؤالتاريخي طويل الأمد والذي لا يعطي موعدا دقيقا أو تاريخا واضحا أو مكانا محددا لحدوث التمزق ولمقدار الطاقة التي يمكن أن تتحرر (أي أن الغاية الوحيدة من هذه التنبؤات هي توعية الناس وأخذ الحيطة واتباع أساليب الوقاية في البناء والأرواح وتوجيه المواطينين لكيفية التصرف أثناء الزلزال وبعده فالزلزال وفقا لهذه التنبؤات يمكن أن يحدث و يمكن أن لا يحدث.
2- إن الشرط الثاني لحدوث وتحريض هذا الزلزال صنعيا هو وجود محرض يلعب و ينجز دور آلية محررة للطاقة (Trigger) وهو هنا حتما المادة المستخدمة بالتفجير مثلا ومثل هكذا محرض يجب أن يكون متوافقا وبشدة مع بارامترات الزلزال المستحدث (أي مع القدر والعمق ومدة الهزة الزمنية ومقدار تكرارية الهزات … إلخ ) وهذا أيضا من الأمور مستحيلة التحقيق.
إن العالم السيسموتكتوني الشهير ل. أ. فاردانيان شار في ثلاثينات القرن الماضي إلى أنه في حالة الزلازل القوية فإنه في مناطقها والمناطق المجاورة لها تنشأ سلسلة هزات متتالية متباينة القدر كان قد أطلق عليها إسم سيمفونية الزلازل أو عاصفة الزلازل. إن مثل هكذا عاصفة كانت قد لوحظت أيضا زمن زلزال سبيتاك حيث أنه وكما أشرنا مسبقا إلى أن هذا الزلزال حدث في 7/12/1988 وذلك عند الساعة 11.41 صباحا وكانت هزته الأساسية والرئيسية مكونة من 3 هزات تلقائية والتي كانت مفصولة عن بعضها البعض بفواصل زمنية قدرها 5 و14 ثانية، إن مثل هذا التفاعل التسلسلي (التقطع) يكون مألوفا في حالة الزلازل الكبيرة ويعزى لنمط وشكل تمزق الطبقات الصخرية كما أنه جدير الذكر بأنه وحتى الهزة الرئيسية لزلزال 7/12/1988 وفي نطاق المركز السطحي حدثت 4 هزات محسوسة الشدة والتي في زمن كل منها تحرر مقدار من الطاقة يتراوح ما بين (109 – 108) جول طبعا يمكن أن ينشأ عند البعض شكوك في أن هزات 3 و6 /12/1988 والتي سبقت هزة سبيتاك الرئيسية لم يكونوا هزات أولية بل كانا تفجيرين كبيرين تم بمساعدتهما تحرير الطاقة وذلك بهدف توليد زلزال شديد القدر، إلا أننا نشير إلى أن مثل هكذا شكوك لا أساس لها من الصحة وذلك لأن الهزات وعلى خلاف التفجيرات تستغرق ثوان عديدة وليست لحظية، كما أن شكل الموجة المرصودة الناجمة عن التفجير يختلف عن شكل الموجة السيسمية الناجمة عن الزلزال وبالتالي فإن المحطات السيسمية المحلية والدولية كانت ستبرز هذه التسجيلات على أنها وثائق لتؤكد أن الزلزال صنعي وليس طبيعي ويبين الشكل (5) مقارنة بين تسجيل لزلزال 1995 في الهند وبين تسجيل لتفجير نووي حدث في الهند عام 1998 ويبين الشكل (6) مقارنة بين التفجير النووي والحدث الزلزالي من حيث العزم – القدر Ms- mb، وفيما يتعلق بأن تلك الهزات الأولية كانت تتمتع بقدور كبيرة نسبيا عما هو مألوف فنقول غالبا ما تسبق الزلازل الكارثية بمثل هكذا هزات أولية.
الشكل(5)
الشكل(6)
وأخيرا و فيما يتعلق بالشائعة الثانية فنشير إلى أنه ومن الناحية النظرية فإن التفجير النووي لا يمكن أن يلعب دور محرض ودور آلية لتحرير الطاقة المتراكمة في الصخور وذلك لتوليد زلازل قوية، إن مثل هكذا قضية أو مسألة كانت قد نوقشت من قبل العديد من العلماء والمختصين والذين كان لهم هدف وغاية وهي تخفيف الإجهادات التكتونية الهائلة والطاقة المتراكمة في الصخور على شكل أجزاء صغيرة بإمكانها توليد زلازل صغيرة بدلا من زلزال هائل مدمر ولكن وكما هو معروف لدينا فإننا لا نملك معلومات عن تجارب حدثت في هذا المجال في بلد من بلدان العالم بل بقيت تلك أفكار وتمنيات لبعض العلماء.
بالنسبة للمسألة الثالثة وهي أن الزلزال كان كبيرا وهائلا وسبب انفجارا هائلا مروعا فنذكر أن يترافق زلزال بحدوث حريق كبير أو حدوث انفجارات في مصانع كيمائية أو مصانع أسلحة أو مستودعات ذخيرة أو حتى مع انفجارات رؤس نووية فهذا ممكن بل ووارد جدا وحدثت مثل هذه الأمور في بعض الدول المنكوبة بالزلازل، ولكن إن حدث مثل هكذا حريق أو انفجار فإنه سيترك آثاره لتشهد عليه وبالنسبة لزلزال سبيتاك فقد قام الباحثون والمختصون بجولة شاملة في جميع أنحاء وأرجاء المنطقة المتضررة ولم يلاحظوا أي أثر أو علامة أو شكل أو دليل على حدوث هكذا انفجار كما أنه لو حقا وجدت آثار لتدل على تسبب الزلزال بانفجار فإن الأضرار الناجمة عن الزلزال حتما تفوق الأضرار التي قد يخلفها الانفجار المرافق سواء في موقع عسكري أو مدني أو منشأة بآلاف المرات.

اترك تعليقاً